أحمد بن علي القلقشندي
363
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الكلام الوجيز لا يؤمن وقوع الإشكال فيه ، ومن ثم لم يحصل على معانيه إلا خواصّ أهل اللَّغة العارفين بدلالات الألفاظ ، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاصّ والعامّ في جهته ، ويؤيد ذلك ما حكي أنه قيل لقيس بن خارجة : ما عندك في جمالات ذات حسن ( 1 ) ؟ قال : عندي قرى كل نازل ، ورضا كلّ ساخط ، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب ، آمر فيها بالتواصل ، وأنهى عن التقاطع ؛ فقيل لأبي يعقوب الجرميّ ( 2 ) هلَّا اكتفى بقوله آمر فيها بالتواصل عن قوله : « وأنهى عن التقاطع » ؟ فقال : أو ما علمت أن الكتابة والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشّف ؟ ألا ترى أن اللَّه تعالى إذا خاطب العرب والأحزاب ( 3 ) أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا ؟ وقلما تجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطوّلة مشروحة ، ومكررة في مواضع معادة لبعد فهمهم ، وتأخّر معرفتهم ، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاصّ والعامّ في فهمه . وذهبت فرقة إلى ترجيح مساواة اللفظ المعنى ، واحتجوا لذلك بأن منزع الفضيلة من الوسط دون الأطراف ، وأن الحسن إنما يوجد في الشيء المعتدل . قال في « موادّ البيان » : والذي يوجبه النظر الصحيح أن الإيجاز والإطناب والمساواة صفات موجودة في الكلام ولكل منها موضع لا يخله فيه رديفه ، إذا وضع فيه انتظم في سلك البلاغة ودلّ على فضل الواضع ، وإذا وضع غيره دلّ على نقص الواضع وجهله برسوم الصّناعة . فأما الكلام الموجز فإنه يصلح لمخاطبة الملوك ، وذوي الأخطار العالية ،
--> ( 1 ) في الصناعتين : 198 : « ما عندك في حمالات داحس ؟ » والحمالة هي الدية التي يحملها قوم عن قوم . ( 2 ) في الصناعتين : « الخزيمي » . ( 3 ) في الصناعتين : « والأعراب » .